الدنيا أخبار شعار الجمهورية
مقدمة فلاش مقدمة فلاش مقدمة فلاش مقدمة فلاش
 
لقراءة النص العربي
إصدارات الدار
الإعلان في الموقع
 
للإعلان في الموقع
 
 
   
غريبة جداً.. ترك الناس المقال كله وأسهبوا في التعليق علي النظرة الخاصة بمنطقة العمرانية التي كتبت في بعض الصحف خطأ "العهرانية" وهو خطأ خير من الصواب.. "وصح أصح من الصح".. تلك غريبة أولي.. أما الغريبة الأغرب فهي أن كل التعليقات تهتف: صدقت.. وتصرخ: أصبت.. وكل هذه التعليقات من سكان تلك المنطقة.. وتؤكد تلك التعليقات المؤيدة أنهم سكانها لكنهم ليسوا أهلها.. فلم يغل الدم في عروق أحد.. ولم تأخذه الحمية ولا الغيرة علي "حتته".. ولم يكابر ولم يسبني ولم يلعني.. ولم أتلق أي اتهام بأنني خائن "لحتتي".. ولست أدري من الكذاب إذا كنا جميعاً نصدق ومن المخطيء إذا كنا جميعاً نصيب.. وعندما يقول الحرامي والفاسد والبلطجي "وبتاع النسوان وبتاعة الرجالة".. إن المجتمع قد نخره السوس وإن الناس لم يعد عندهم أخلاق ولا ضمير.. ساعتها لابد أن أسأل نفسي وأخبط رأسي في الحائط: من المجتمع إذن؟ وأين الناس؟ إذا كان كل الناس يتهمون كل الناس فأين المتهمون؟
والحديث عن العمرانية ربما ينسحب علي مناطق يصعب عدها.. وربما يؤيدك أيضا أهل هذه المناطق أو سكانها.. لأننا جميعاً وربما في الأمة العربية كلها نسكن بلادنا وأحياءنا "وحتتنا" وحاراتنا لكنها لا تسكننا.. فالسكن الآن مثل تنسيق القبول بالجامعات والكليات والمعاهد بالمجموع لا بالاختيار ولا بالرغبة.. والمجموع هو الفلوس.. فأنت تسكن "علي قد فلوسك" وتدخل الكلية "علي قد مجموعك" والذين يعملون في الخليج أو في أوروبا أو في أمريكا يحبون مناطق ودول عملهم أضعاف ما يحبون مساقط رءوسهم أو أوطانهم.. لأن الحب والكراهية أيضا حسب المجموع الذي هو الفلوس.. ولأن الذي يعمل في الخارج مثل الذي يذاكر في الثانوية.. فهو يعمل ويكد ويكنز حتي يحصل علي المجموع الذي هو الفلوس.. وبذلك يستطيع أن يلتحق بكليات القمة ويسكن قصور وفيلات القمة. وأنت لا تسكن في منطقة لأنك تحبها.. ولكن لأن كل "برغوث علي قد دمه".. لذلك لا ننتمي وجدانياً إلي أي منطقة خصوصاً إذا كان "البرغوث ماعندهوش دم أصلاً".. وأنت لا تسكن في مكان ينفع ولكنك تسكن علي قدر ما تدفع.
وانتماؤنا للفلوس قتل تماماً انتماءنا للوطن والحي والحارة "والحتة" ومكان العمل.. والذين يعملون في الخارج يبررون تعلقهم بدول العمل بأنهم هناك يشعرون بآدميتهم.. والآدمية عندهم هي الشبع المادي والفلوسي وليس شيئاً سواه.. والجوانب الأخري للآدمية التي يتحدثون عنها لا وجود لها ولا تهمهم في شيء.. وآدميتي هي فلوسي.. أما الذل والمهانة والخوف ولعق الأحذية والتنازلات المهينة.. فتلك لا تساوي شيئاً ولا تعني شيئاً.. وأبلغ وأفصح ما سمعته في هذا الشأن قول أحدهم لي: "يا أخي هناك ذل وهنا ذل.. وهناك قرف وهنا قرف.. لكن الذل والقرف هناك بفلوس.. وهنا مجاناً".. هذا قول واقعي جداً.. فالرجل لا يري فرقاً سوي الفلوس والاشباع المالي.. لذلك حسم أمره وقرر أن يحرق مراكب العودة.. فالغني في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة.. والأوطان لم تعد شعارات وهتافات وأناشيد ولكنها حسبة بالورقة والقلم.. فأنا مواطن لأي وطن يدفع أكثر.. ووطنيتنا جميعاً صارت في المزاد.. والذين كانوا يموتون من أجل الوطن صاروا يموتون من أجل الهروب منه.. والجواسيس والخونة صاروا علي قفا من يشيل ولم يعد الأعداء في حاجة إلي تجنيد جواسيس لأن الجواسيس الآن يتطوعون.. ولم يعد الناس يقرفون من الخونة والجواسيس وسيرتهم.. بل صاروا يتعاطفون معهم ويبررون لهم أفعالهم.. تماماً كما أصبحنا نبرر أفعال الفسدة والفسقة والقوادين والمرتشين واللصوص وأباطرة المخدرات وغسل الأموال.. ونبرر انحراف النسوان.
****
والقاعدة الآن هي "اللي مامعاهوش مايلزموش".. ونحن جميعاً نريد أن يكون "معنا لكي يلزمنا".. ولا حرج في أي عمل يجلب الفلوس.. والناس لا يغسلون عارهم الآن بالدم ولكن يغسلونه بالفلوس.. وكل من لا تاريخ ولا جذور ولا أصل له يستطيع أن يشتري ذلك بالفلوس.
وأغنياء هذا الزمان حملوا بالفلوس سفاحاً.. تماماً مثل بنات الليل اللاتي يحملن بالأطفال سفاحاً.. فالفلوس مجهولة المصدر.. والطفل مجهول الأب.. لكن بنت الليل قادرة علي اصطياد أي أب لطفلها والغني السفاح قادر علي فبركة مصدر شريف لفلوسه وأصله وفصله وجذوره.. ولا أحد لديه وقت ولا صبر ليسأل عن الأصل والفصل.. والغني السفاح يمكنه أن ينتمي بفلوسه إلي الأشراف أو ملوك الفراعنة أو الأتراك وبفلوسه يستطيع أن يزرع غابة من أشجار العائلة.. فالشرف هو الغني والوضاعة هي الفقر.. والأصالة هي الفلوس والخسة هي الفاقة والعوز.. وبفلوسك بنت السلطان عروسك.. أنت بجيبك لا بقلبك.. أنت بحقلك لا بعقلك.. تستطيع أن تتزوج ابنة ملك الجان "بالشخشخة".. لم تعد لدي الناس شروط فيمن يزوجونه سوي جيبه ورصيده.. "طظ" في شهادتك ومؤهلك ودرجتك.. "طظ" في فكرك مع فقرك.. "طظ" في سنك وأنك بلغت أرذل العمر مادمت قادراً علي تدليل العروس ذات العشرين.. هي لن تنزعج من أنك أصبحت "بركة" ومات فيك ما يرضي الزوجة.. المهم أنك تصرف.. والأشياء الأخري أصبح مقدوراً عليها ويمكن للزوجة التصرف بعيداً عنك. "ماتحملش هم". فإذا جاءكم من ترضون جيبه فزوجوه.. ياساتر.
كلنا في مكتب تنسيق الحياة.. وكل منا يسكن ويتزوج وينجب ويتسلطن ويركب حسب مجموعه الذي هو فلوسه.. هذه هي القاعدة التي نسير علي هديها.. وهذه هي اللعبة التي نمارسها حسب قواعدها.. لذلك لا يبلغ الغاية من يستحق ولكن يبلغها من يدفع ومن لديه الثمن والمجموع.. فلا عجب أن من ينبغي أن يكونوا الأوائل أواخر.. وأن يكون الأواخر أوائل.. فاللعبة غبية لذلك يفوز فيها الأغبياء فقط.. اللعبة غبية لأنها تجعل أموالنا مع بخلائنا.. وعلمنا عند سفهائنا وجهلائنا.. وسلاحنا عند من لا يستخدمه والرأي عند من لا يوثق به ولا يقبل منه.
وكما أن هناك حملا سفاحاً في الأجنة.. هناك حمل سفاح في الفلوس.. وكما أن هناك لقطاء وأطفال شوارع.. هناك ثراء لقيط وأغنياء شوارع.
وهناك علي المستوي الرسمي والشعبي عندنا تركيز علي عشوائية المبني لكن لا أحد يتحدث عن الأسوأ.. لا أحد يتحدث عن عشوائية المعني.. الناس والحكومة والمعارضة والإعلام يتحدثون باسهاب غبي عن الفرع ويغفلون الأصل.. يتحدثون عن الظل الأعوج ويغفلون العود الأعوج.. والأماكن أو المناطق العشوائية هي الظل الأعوج أما الناس فهم العود الأعوج.. وإزالة أو تطوير المناطق العشوائية لا تجدي لأن الناس هم العشوائيون وسينتجون مناطق عشوائية جديدة.
وأستطيع أن أستعير تعريف أو مقولة الصهاينة هنا لأنها أصدق وأكثر انطباقاً علي واقعنا العشوائي.. فقد قالوا إن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.. أي أن فلسطين ليس فيها من نسميهم الفلسطينيين.. وأن اليهود شعب لا أرض له.. لذلك نشأت إسرائيل علي أرض فلسطين.
****
هذه المقولة بحذافيرها تنطبق علي المناطق العشوائية عندنا وهي أكثر انطباقاً علي منطقة العمرانية وربما منطقة الهرم وفيصل كلها.. فالأراضي بلا صاحب.. كانت ملكاً للأجانب الذين تركوها وسافروا بعد ثورة يوليو ..1952 فأصبحت أرضاً بلا ناس يخفرها أو يحرسها أو يزرعها من كانوا في خدمة هؤلاء الأجانب.. ومع الوقت تحولت الأرض الزراعية إلي مباني بالعافية.. وأصبح الخفراء ملاكاً بوضع اليد.. وأقبل مطاريد الصعيد "وصيع بحري" وراحت الأراضي تتأرجح بين البلطجية والنصابين لتستقر في نهاية المطاف عند الأقوي والأكثر بلطجة.. والأقدر علي النصب والاحتيال.. وفرض المطاريد والصيع قانونهم وسطوتهم وأصبحوا ملاكاً بالباع والذراع.. وتحولوا فجأة من "زلنطحية" ومطاريد وشذاذ افاق وعصابات إلي مليارديرات.. لأن الأراضي التي كانت تباع بالفدان كزراعة صارت تباع بالمتر كمبان.. وصار الأمر في الهرم وفيصل وفي العمرانية تحديداً محكوماً بالنصب والاحتيال وقوانين وضع اليد والقدم.. وجل الأراضي في هذه المنطقة تم الاستيلاء عليها بالنصب والاحتيال والبلطجة.. ومع الوقت صار البلطجية عائلات كبري ذات نفوذ وسلطان وحيثية ومواقع "تخض".. وصارت العمرانية وسواها أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض.. وكل الذين جاءوا من قبلي وبحري إلي هذه المناطق لا أصل لهم ولا فصل وكانوا نكرات وحشرات في مواطنهم الأصلية وأتوا "مسطحين علي القطار".. واندسوا في الزحام حيث لا أحد يعرف أصول أحد ولا تاريخه.. ولذلك لا نجد أحداً تأخذه الحمية والغيرة عندما تهاجم "حتته" ومنطقته لأن الناس هنا بلا أصول ولا جذور.. فلا أحد من المنطقة ويذكرني ذلك بمقولة لأبي رحمه الله عندما زارني وأنا طالب في الجامعة وشاهد عندي أحد أصدقائي فسأله ذلك السؤال الذي كان يردده الكبار دوماً: "أنت منين ياابني؟".. فقال صديقي: "أنا من القاهرة ياعمي".. فقال أبي بتلقائية حكيمة: "وهي القاهرة فيه حد منها ياابني؟".. أي والله.. وقد كان صديقي هذا بالفعل من الدقهلية.
الناس لا ينتمون وجدانياً هنا أو في أي منطقة إلي شيء.. ولم تعد تسمع كلمات "ابن حتتنا وبنت حتتنا" لم نعد نشاهد معارك لأن غريباً عاكس بنت الحتة.. فهي ليست "بنت الحتة" ولسنا نحن أبناء "الحتة".. ومازلت أكرر مقولة المستشرق الإنجليزي الشهير ادوارد وليام لين الذي عاش في مصر طويلاً حيث قال: "إن أي امرأة مصرية تستطيع أن تسير علي قدميها آمنة من الإسكندرية إلي أسوان لأنها في حراسة أهل البلد".. وضع خطاً أو مائة خط تحت "أهل البلد".. أو أولاد البلد.. فذلك ما لا وجود له الآن فالمرأة لا تستطيع أن تسير علي قدميها آمنة من مطبخها إلي حمامها.. لأنها ليست في حراسة أحد ولا حتي زوجها وأهل بيتها.. فالبيوت مسكونة وليست سكناً.. مسكونة بالعفاريت والأسياد والأزواج والزوجات.. الكل يسكن مع الكل ولكن أحداً لا يسكن إلي أحد.
****
مساحة الاختيار ضاقت حتي صارت أضيق من خرم الإبرة.. لأن البرغوث ليس عنده من الدم ما يمكنه من الاختيار.. فهو يتزوج ويسكن ويتوظف ويترقي ويعلو ويفوز وينجح في الامتحان ويدخل الجامعة "علي قد دمه" و"علي قد فلوسه ومجموعه".. وكل ما في حياتنا رمية من غير رام.. ولا شيء ولا أحد في مكانه ولا وقته المناسب.. وكل منا نبات مزروع في غير تربته "علي قد دمه".. والأسد يسكن القبر والفأر يسكن القصر.. لأن الأغنياء لا يستحقون.. والفقراء لا يستحقون.. والثراء عشوائي والفقر أيضا عشوائي.. ومربط الفرس هو عشوائية البشر لا عشوائية الشجر والحجر.. عشوائية الفكر لا عشوائية المكان.. ونحن نستبيح دم الفقراء فقط بينما لا نقترب من الأغنياء.. نحن نتحدث عن مناطق الفقراء العشوائية ولا نجرؤ علي فضح أبراج الأغنياء العشوائية علي النيل وفي الأماكن التي يقال عنها زوراً وبهتاناً راقية.. نحن لا نجرؤ علي فضح عشوائية الإنسان.. هناك وزير عشوائي وإعلامي عشوائي ونائب برلماني عشوائي وأحزاب عشوائية.. كل منا بناء مخالف.. ورخصة الشخص منا لا تتيح له إلا أن يرتفع طابقين فقط ليصبح خفيراً.. فإذا به يرتفع عشرين طابقاً ليصبح أميراً أو وزيراً.. لذلك لم نعد ننتمي ولم يعد لدينا ولاء لشيء ولم نعد نستحي.. ولم نعد نستتر ونحن مبتلون.. بل نجاهر.. ونباهي برذائلنا.. اعتماداً علي فلوسنا.. فالقيام والجلوس.. بالفلوس.. والدراهم مراهم.. وبالحق وابن عمه.. كل "برغوث علي قد دمه"..!!
نظرة
كان بين العلماء والدعاة في العصر المملوكي ما صنع الحداد كما هي الحال الآن بسبب التنافس علي المناصب والنجومية والحظوة عند السلاطين ومن أجل الفلوس.. وقد كانت هناك جفوة عظيمة بين العالم والمؤرخ بدر الدين العيني والد الشهاب أحمد بن العيني صاحب قصر العيني الشهير.. والعالم البارز والمؤرخ ابن حجر العسقلاني وحدث أن مئذنة جامع السلطان المؤيد شيخ المحمودي المملوكي مالت حتي أمر السلطان بهدمها وإعادة بنائها.. فقال ابن حجر هاجيا بدر الدين العيني:
لجامع مولانا المؤيد رونق.. منارته بالحسن تزهو وبالزين
تقول وقد مالت عليهم تمهلوا.. فليس علي حسني أضر من العينِ
وعند ذلك انبري بدر الدين العيني ليرد علي ابن حجر قائلاً:
منارة كعروس الحسن اذ جليت.. وهدمها بقضاء الله والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط.. ما آفة الهدم إلا خسة الحجر!!
 
 
الصفحة الأولى
أخبار محلية
الصفحة الثالثة
سوق المال
استثمار ومستثمرون
الدنيا أخبار
المواطنة
تحليلات سياسية
عقول تتفتح
مقالات
رأى..و..رأى
فنون
الرياضة
أقاليم رياضية
رياضة عالمية
تحليلات رياضية
منوعات
مع الناس
حوادث وقضايا
كاريكاتير
حديث المدينة
طبعاً أحباب
عروس الشرق
النصف الحلو
139 الجمهورية
قبلى وبحرى
صباح الخير يا أسكندرية
 
 

 
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net
المساء The Egyptian Gazette Le Progres Egyptien حريتى عقيدتى الكورة  والملاعب شاشتى Egyptian Mail Progres Dimanche العلم كتاب الجمهورية سمير رجب التحرير.نت