آخر الاسبوع بقلم : محمد أبو الحديد E- mail: abuelhaded@eltahrir.net علي هامش حادث "الحسين" ارفعوا أيديكم عن رجال الشرطة
لا يوجد مصري غيور علي بلده. حريص علي استقراره وازدهاره . لم يغضبه ذلك الحادث الإرهابي الجبان الذي شهدته منطقة "الحسين" هذا الأسبوع. وأودي بحياة سائحة فرنسية شابة. وأصاب عددا من المصريين وسائحين عرب وأجانب من عدد من الجنسيات.
وبعيدا عما تسفر عنه التحقيقات الجارية الآن حول الحادث. من تحديد لمرتكبيه ومن وراءهم. فإنني أدعو في البداية إلي أن تكون معالجتنا له. وتعاملنا مع آثاره بطريقة هادئة. وموضوعية. تضعه في حجمه الطبيعي دون تهوين أو تهويل. وتعكس قوتنا كأمة موحدة. ونظام سياسي راسخ في مواجهته.
هذا حادث عابر لا ينبغي أن يستوقفنا كثيرا. أو يعطل مسيرتنا. وهو في حجمه وطريقة تنفيذه وبدائية أدواته مجرد "رسالة فرقعة ساذجة" سوف تتضح أهدافها حين يتم التعرف علي مرسليها.
ومثل هذا الحادث. وأكبر منه. يقع كل فترة في دولة من الدول. سواء في الشرق أو الغرب.. في ميادين. وأسواق. ومدارس. ومحطات مترو أنفاق. ودور عبادة.. إلي آخر هذه الأماكن العامة.
وليست بعيدة انفجارات بومباي في الهند بخسائرها الفادحة في الأرواح والممتلكات. والتي لايزال التوتر بسببها قائما. والاتهامات بشأنها متبادلة. بين الهند وجارتها المسلمة باكستان.
***
وفي "بلد" بحجم مصر. وكثافة سكانه.
وفي "منطقة" مثل منطقتنا. تموج بالصراعات الدموية من حولنا. والاختراقات الأمنية الداخلية. ويشتد فيها التنافس علي أدوار القيادة والريادة الاقليمية ممن يستحقون وممن لا يستحقون.
وفي "توقيت" مثل هذا. يتعاظم فيه دور مصر الاقليمي والعالمي علي غير هوي الكثيرين. وتصبح هي من تجمع الفصائل الفلسطينية المتفرقة لتتوحد كلمتها ومواقفها. ومن تسعي لإنجاز التهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل. ومن تستعد وفود 75 دولة للمجيء إليها. وتلبية دعوتها لمؤتمر إعادة إعمار غزة.
وفي "مناخ" من الأمن والاستقرار ووحدة الجبهة الداخلية المصرية يعزز هذا الدور ويسانده. رغم مظاهر الاضرابات والاعتصامات والاحتجاجات التي شملت وتشمل معظم الفئات وعلي امتداد كل المحافظات. بما يعكس قوة المجتمع وحيويته. وقدرته علي ممارسة أقصي قدر من الحرية والديمقراطية لا يتمتع به كثيرون حوله وفي منطقته.
ودون أن تستند مصر في ذلك إلي ثروة بترولية هائلة كبعض من حولها. ودون أن تكون لها ايديولوجية تبدد "الثروة" في تصدير "الثورة" لجيرانها. أو تشتري ولاءات من يعرضون أنفسهم وبلادهم للبيع لمن يدفع أكثر.
في كل ذلك. فإنه من الطبيعي أن تكون مصر موضع "حسد" من الكثيرين. قد يصل إلي الحقد.
وأن تكون مستهدفة بما يعرقل مسيرتها وانطلاقها. أو يشغلها بما لا يجب أن تنشغل به. أو يوقف انطلاقاتها. بإلقاء حجر هنا. أو قنبلة هناك.
لقد فشل الجميع في تنفيذ مخطط استدراج مصر للحرب خلال أحداث غزة. ووارد جداً أن يفكر البعض في المساس بأمنها واستقرارها الداخلي عوضاً عن هذا الفشل.
لا أدعو بذلك إلي التقليل من شأن حادث "الحسين".. ولا أميل في نفس الوقت إلي المبالغة في تفسيره. بل فقط أقول انه "وارد" في سياقات متعددة. وأننا يجب أن نتعامل معه في حدوده. لا نجزع أو نعتبر انه نتيجة تقصير هنا أو هناك. ولا نتصور أو نوحي بأنه سيدمر السياحة إلي مصر.. ولا تدعونا معالجته إلي تشديد قبضة الأمن إلا بما تستوجبه الظروف ولا يمس حريات وحقوق المواطنين الأبرياء.
***
لكن.. للحادث في رأيي جانباً آخر. هو الذي قصدته بمقال اليوم. وجعلته عنواناً له. وهو: ارفعوا أقلامكم عن الشرطة.
لقد أصبحت الشرطة المصرية. للأسف الشديد. قيادة وأفراداً. هدفاً يومياً لكثير من الأقلام والأبواق في الداخل. ربما بأكثر مما تتعرض له مصر نفسها من الخارج.
هناك صحف مصرية يومية. لا تخلو صفحاتها الأولي بشكل منتظم ومخطط. من مانشيتات تمس جهاز الشرطة ورجاله. وتحكي عن وقائع تعذيب تنسب لهم أنهم قاموا بها ضد مواطنين ومواطنات في مختلف المحافظات. وفي كل المواقع.. في الشوارع.. وفي أقسام الشرطة.. وداخل زنازين السجون.
هذه "الوجبة اليومية المسمومة". تظهر مصر وكأنها تحولت إلي معتقل كبير.. ورجال الشرطة فيه هم السجانون والجلادون والقتلة ومصاصو الدماء.
وتبدو الشرطة من خلال هذه الوجبة اليومية المسمومة. وكأنه لا عمل لها إلا تعذيب المصريين. وإلا انتهاك القوانين الوطنية والدولية. وإلا الاعتداء علي حقوق الإنسان ومواثيقه. وإلا التصفيات الجسدية والمعنوية للناس. وترويعهم في حياتهم بدلاً من حمايتهم وتأمينهم.
وفي المقابل تظهر صحف يومية أخري. لا تخلو مانشيتات صفحاتها الأولي والداخلية كل يوم. وبصورة منتظمة ومخططة. من أخبار الاضرابات والاعتصامات والاحتجاجات في كل مكان. وتجميعها معاً في مساحات متلاصقة. بحيث تبدو مصر وكأن شعبها كله في حالة عصيان مدني.
* * *
الصورتان متضاربتان. لكن رسالتهما واحدة. فلا يمكن. في مواجهة جهاز شرطة احترف كما تظهر هذه الصحف عمليات القمع والتعذيب وانتهاك الحقوق والحريات. ان يكون لدي كل فئات المجتمع كل هذا القدر من الحرية الذي يسمح لهم بالتظاهر والاعتصام وتنظيم الاضرابات والوقفات الاحتجاجية. دون ان يقع في صفوفهم كل يوم اكثر من قتيل وجريح. مثلما يحدث. ونراه علي شاشات الفضائيات في دول كثيرة حولنا وبعيدا عنا كل يوم.
هما إذن صورتان تكذب احداهما الأخري. وترد عليها بأبلغ دليل وبرهان.. لكنهما معا تقدمان رسالة واحدة. تضع مصر في صورة مشوهة امام الرأي العام الداخلي والخارجي. وتدفع منظمات حقوق الإنسان في الخارج. التي تستقي معظم تقاريرها مما ينشر في هذه الصحف. إلي تكوين صورة سلبية عن مصر. ونشر تقارير سوداء عما يجري فيها.
ووسط هذه الحملة الضارية والمخططة ضد جهاز الشرطة ورجاله. يضيع جهد هائل يبذله هذا الجهاز ورجاله آناء الليل وأطراف النهار في خدمة المواطن المصري.
يضيع جهد في السهر علي حراسة الوطن وتأمينه في الداخل.. ارضا.. ومواطنين.. ومنشآت.
يضيع جهد في تقديم خدمات يومية لا حصر لها لكل الناس.. في المرور. والجوازات. والمطافي. والمسطحات المائية. والنقل والمواصلات وغيرها مما لا حصر له.
يضيع جهد "فرد" الشرطة العادي.. الذي يأخذ بيد رجل معاق أو سيدة مسنة حتي تعبر الشارع في أمان. وهو نفسه.. اي هذا الفرد. لا يعرف من يأخذ بيده حين تفرغ جيوبه من مرتبه قبل منتصف الشهر. وتواجهه اسرته بما ينقصها من احتياجات.
***
هذه الحملة الضارية تتصاعد للأسف الشديد في وقت:
1 تحظي مصر بقدر من الأمن والأمان والاستقرار الداخلي ربما لم يتحقق مثله في أي وقت منذ أواخر السبعينيات. اي منذ ثلاثين عاما. كثمرة لاداء أمني احترافي. هادئ. رفيع المستوي. يوازن بدقة ما بين متطلبات الأمن وحقوق وحريات الافراد بقدر ما تسمح به الظروف.
وربما يكشف انزعاج الكثيرين من حادث "الحسين" هذه الحقيقة. فالناس كادت تنسي حوادث الإرهاب الداخلي وجرائمه بعد النجاح الأمني في مكافحة هذه الظاهرة واقتلاعها من جذورها.
ولو ان أمن مصر مخترق. أو ضعيف. لوقع مثل هذا الحادث كل يوم. واعتاده الناس. مثلما سبق ان عانوا من ذلك خلال الثمانينيات والتسعينيات.
2 يواجه جهاز الشرطة ورجاله اكبر اعباء يتحملها هذا الجهاز ربما في تاريخه كله. نتيجة المتغيرات الهائلة التي تعرض ويتعرض لها المجتمع.. سياسية واقتصادية واجتماعية. والانفتاح "الفضائي" علي الخارج. بكل تياراته وثقافاته.. قيمه وسلوكياته.. السلبي منها قبل الإيجابي.
يكفي فقط ما أضافه متغيران وحيدان علي جهاز الشرطة ورجاله من أعباء.. وهما تصاعد منحنيات الجريمة وتنوع أشكالها وتجاوز بعضها لخطوط حمراء تقليدية سابقة.. ثم اتساع مساحة الحرية والديمقراطية بما يسمح لكل الفئات بالتعبير عن نفسها ومطالبها بالإضرابات والمظاهرات والاعتصامات.
3- أنه - لأول مرة ربما في تاريخ الشرطة - يعمل جهازها ورجالها في الضوء الكامل. وتحت مراقبة تصل إلي حد التعسف. من منظمات المجتمع المدني في الداخل والخارج. بحيث لم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه. وهو ما فرض علي جهاز الشرطة ورجاله قيودا غيرت من طبيعة الأداء ومستوي السلوك.
4- أنه أيضا. وربما لأول مرة. يقوم جهاز الشرطة بإعادة تقييم نفسه أداء وأفرادا ويكشف للمجتمع عن سلبياته أولا بأول ويقدم وزير الداخلية القدير بنفسه عشرات الضباط والأفراد إلي المحاكمة أو يحيلهم إلي التقاعد عقابا علي مخالفات ارتكبوها. أو تستروا عليها. نزولا علي مبدأ أن لا أحد فوق القانون.
***
من هنا. فإن استمرار وتصاعد هذه الحملة المنظمة والمخططة ضد جهاز الشرطة ورجاله. في ظل هذه الحقائق الأربع. يثير مناخا من الإحباط لدي هذا الجهاز ورجاله. قد يشتت تركيزهم. ويؤثر سلبا علي مستوي أدائهم. في وقت تحيط بنا التحديات من كل جانب.
إنني لا أريد أن أذهب إلي أبعد من ذلك لأقول إن هذه الحملة جزء من "سيناريو" كبير يستهدف أمن مصر الداخلي والقومي. علي اعتبار أن المساس بهذا الأمن يبدأ بالهجوم علي جهاز الشرطة ورجاله. في محاولة لشغل هذا الجهاز - ولو جزئيا - بالدفاع عن النفس بدلا من الانشغال بالدفاع عن الوطن والمواطن.
وأن حادث "الحسين". هو "بالونة الاختبار" أو الخطوة الثانية في هذا "السيناريو". قد تتلوها خطوات أخري.
أقول لا أريد أن أذهب إلي أبعد من ذلك. علي اعتبار أننا جميعا. بمن فينا هؤلاء الذين يقدمون هذه الوجبة اليومية المسمومة للناس. وطنيون. نحب مصر. ونحرص علي أمنها واستقرارها. وإن أخطأ بعضنا التعبير عن ذلك.
ولعل أول ما يمكن أن يؤكد حسن نية الذين ينظمون هذه الحملة الضارية ضد الشرطة. أن يتوقفوا عنها. وأن يضعوا الأحداث في حجمها الطبيعي. وأن يتذكروا دائما. أنه في غياب الأمن أو ضعفه أو استرخائه. يمكن أن نتحول جميعا إلي ضحايا.
لقد كان الرئيس مبارك - في خطابه في عيد الشرطة - الأكثر إحساسا بما يحيط بجهاز الشرطة ورجاله من تحديات ومخاطر. والأكثر قدرة أيضا علي التعبير عن إحساس المواطن المصري بدور هؤلاء الرجال في حمايته وتأمينه بعيدا عن الدعايات الإعلامية السوداء. حين قدم لهم ولنا هدية اعتبار عيد الشرطة إجازة رسمية وعيدا لكل المصريين.
من أجندة الأسبوع
** أفضل شيء في الإفراج عن أيمن نور. أنه تم بعد رحيل جورج بوش.. إنها عبقرية "التوقيت" ورفض الخضوع للابتزاز. وهما من أبرز سمات الرئيس مبارك.
** خلال السنوات الأربع الماضية. نظمت "الجمهورية" مع جامعة المنصورة أسبوعين لشباب الجامعات. أحدهما للجامعات المصرية. والاخر للجامعات العربية. وأسبوعا ثالثا لشباب الجامعات مع جامعة المنوفية. لم تظهر فيها جميعا سلبية واحدة.
مجرد تعقيب عابر علي انفراد جامعة المنصورة بتنظيم أسبوع شباب الجامعات هذه المرة الشهر الحالي. وفضائحه التي نشرتها كل صحف ومجلات مصر والعالم العربي.