آخر الاسبوع بقلم : محمد أبو الحديد E- mail: abuelhaded@eltahrir.net شركات مصر.. لكل المصريين
لا أستطيع الآن إبداء رأي نهائي أو تفصيلي في برنامج "الملكية الشعبية للشركات" الذي طرح يوم الاثنين الماضي في اجتماع المجلس الأعلي للسياسات بالحزب الوطني الديمقراطي. ويقضي بتمليك المواطنين المصريين حصصا في شركات قطاع الأعمال العام المؤهلة لذلك. من خلال صكوك تتحول إلي أسهم قابلة للتداول في البورصة.
لدي. في ذلك. ثلاثة أسباب:
الأول أن البرنامج مازال في أطواره الأولي كفكرة. علي الأقل بالنسبة لنا. وإن كان واضحا بكل تفاصيله بالنسبة لمن عكفوا ثلاث سنين علي دراسته وإعداده من الخبراء والمتخصصين.
ورغم اعترافي بأن السيد جمال مبارك أمين السياسات في الحزب. والدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار. قد قدما في مؤتمراتهما الصحفية. علي مدي اليومين الماضيين. شروحا مفصلة للبرنامج. بالنسب والأرقام. وبما يشي بأن البرنامج خضع بالفعل لدراسة معمقة من كل جوانبه وتفصيلاته. إلا أن المؤكد أن المناقشات العامة له من جانب الرأي العام. والمناقشات الخاصة في مجلسي الشعب والشوري. وفي الدوائر الاقتصادية المتخصصة. سوف تضيف أو تعدل كثيرا أو قليلا في هذا البرنامج.
الثاني أنه في مثل هذه الموضوعات القومية الكبري. وأنا اعتبر هذا البرنامج كذلك. لا يجوز التسرع في إصدار الأحكام قبولا أو رفضا حتي تتوفر كل الحيثيات الممكنة واللازمة للقبول أو الرفض. حماية للرأي العام من الاندفاع أو التضليل. واعترافا بحق كل صاحب رأي في التعبير عن رأيه.
الثالث إنني شخصيا تعودت ألا أكتب قبل أن أقرأ. وأسمع. وأتابع. وأفهم. لأن الكلمة. في مثل هذه الموضوعات. أمانة ومسئولية كبري. ولأنني أيضا لا أجد حرجا في أي وقت. وأي موضوع. في أن أكون في صفوف المعارضين أو في صفوف الموالين. لأن الهدف. في جميع الأحوال. هو مصلحة مصر.. الوطن. والمواطن.
***
غير أن ذلك لا يمنع أن تكون لي علي ما ظهر من البرنامج من تفصيلات حتي الآن بعض الملاحظات:
1 البرنامج كبير. وطموح. يشمل أكبر عدد من الشركات يتم طرح حصص منها. دفعة واحدة. للتملك "86 شركة" وأكبر عدد من المستفيدين "41 مليون مصري". يمثل نقلة نوعية في فكر "الخصخصة" والفكر الاقتصادي المصري بصفة عامة. ويقدم صيغة نموذجية للحفاظ علي المال العام من جهة. واشراك الشعب في ملكية أصوله العامة من جهة أخري. وهو ما يلبي مطالب الذين تخوفوا من الاندفاع في الخصخصة بشكلها التقليدي الذي تبنيناه علي مدي 17 عاما سابقة. وأعطي للرأي العام انطباعا خاطئا بأن الخصخصة المصرية طريق ذو اتجاه واحد. لا تعرف إلا البيع فقط.
ثانياً إنه لأول مرة تكون لدينا استراتيجية واضحة لإدارة الأصول المملوكة للدولة. تفكر في حقوق الأجيال الحالية من المصريين. وتحفظ حقوق الأجيال القادمة. من خلال صندوق يتم انشاؤه لهذا الغرض. وهو أمر لابد أن يحسب للرئيس مبارك. وللحزب الوطني الديمقراطي وحكومته.
ثالثاً إنه يحول ثقافة الاقتصاد. وثقافة البورصة. وثقافة أسواق المال وإدارة الأصول من "ثقافة الصفوة" من الاقتصاديين الأكاديميين أو رجال الأعمال الممارسين. إلي "ثقافة الشعب". ويدفع إلي البورصة المصرية ب 41 مليون متعامل جديد لأول مرة. وهو أمر سوف يحدث. في رأيي. وعلي المدي الطويل. انقلاباً كاملاً في فكر وسلوك وقيم المواطن المصري العادي.
رابعاً إنه يقنن لمبدأ جديد وهو: المشاركة الشعبية في مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية. وانعكاساتها علي مصر بالطبع.
لقد كانت لي ملاحظة ربما أشرت إليها من بعيد في فقرة من مقال الأسبوع الماضي عن مؤتمر الحزب الوطني. وهي أنه في كل ما قدمه المسئولون الاقتصاديون والسياسيون للرأي العام من شروح للأزمة الاقتصادية العالمية. وانعكاساتها القائمة أو القادمة علي الاقتصاد المصري. ومدي استعدادنا لمواجهة هذه الانعكاسات.. وبأي ثمن سيكون. غاب أي تحديد لدور واضح للمواطن المصري أو الأسرة المصرية في مواجهة هذه الأزمة. بحيث تكون هذه الأزمة فرصة لإعلان حالة من التعبئة العامة لكل قوي المجتمع. لاجتيازها بأقل قدر من المخاطر. بل وبالاستفادة منها إيجابياً كلما أمكن ذلك.
كان الحديث كله. سواء خارج مؤتمر الحزب الوطني. أو داخله. عن استعدادات "الدولة". وعن "مجتمع الأعمال" ومقترحاته.. دون أن يقول أحد للمواطن العادي مثلاً: هل تستوجب مواجهة انعكاسات هذه الأزمة أن يقلل أو أن يزيد من استهلاكه.. أن يدخر بعضاً من دخله الجاري إن فاض منه شيء أو لا يدخر.. إلي آخره.
الآن. ومن خلال برنامج "الملكية الشعبية للشركات". سوف يجد المواطن نفسه شريكاً. ليس فقط في مواجهة الأزمة. بل وفي ادارتها أيضاً. وهو أمر لا يقل أهمية عن دعوتنا لتوسيع "المشاركة السياسية" كحجر أساس لعملية الإصلاح السياسي.
* * *
بعد التحفظات.. والملاحظات. يأتي دور التساؤلات. في ضوء ما تم تقديمه حتي الآن من شروحات:
وعندي الآن من التساؤلات أربعة:
* الدولة. في هذا البرنامج. ستحتفظ بدور "الشريك الأكبر" سواء كانت ملكيتها في هذه الشركات 67% أو 30% وفق التقسيم الذي تم تصنيف الشركات فيه.. والسؤال هنا: إلي متي؟! هل إلي الأبد؟! هل لمدة زمنية محددة؟! وما هي الظروف التي يمكن أن تتخلي فيها الدولة عن هذا الدور.. ولمن؟! للمصريين أيضاً؟!
* قال الدكتور محمود محيي الدين في مؤتمره الصحفي أول أمس. انه لا خوف من قيام جهة ما أو مستثمر معين بجمع الأسهم بقصد السيطرة. لأن ما يزيد علي 9.5% من الأسهم لابد من موافقة الجهة الرقابية عليه.
والسؤال هنا هو: هذا عن الملكية الفردية.. ماذا عن الملكية "العائلية".. أي أن يجمع المستثمر 9.5%. وتجمع زوجته مثلا 9.5% أخري. ويجمع فرد آخر من العائلة مثلهما.. وهكذا.. فتتحقق السيطرة؟!
* عندما تتحول الصكوك في أيدي المواطنين إلي أسهم قابلة للتداول في البورصة. وفي سوق حر. القاعدة فيه أن من حق صاحب السهم أن يبيعه لمن يقدم له سعراً أعلي. بغض النظر عن جنسية هذا المشتري.. ما الذي يمنع في هذه الحالة أن تتحول ملكية هذه الأسهم - بالبيع - من المصريين إلي الأجانب؟!
* قال الدكتور محمود محيي الدين أيضا. إن العاملين في هذه الشركات الداخلة في برنامج "الملكية الشعبية" لن يضاروا.. وبالطبع هذا أضعف الايمان.. لكنه يثير سؤالاً: هل سيستفيدون أيضا بتمليكهم نفس حصص المواطنين الآخرين في الشركات التي يعملون بها. باعتبارهم مواطنين مصريين فوق 21 سنة؟!
هذه مجرد تساؤلات سريعة.. وللحديث بقية كلما جد في هذا الموضوع جديد.
حرب الاستثمارات .. وشهادة عالمية لمصر
قيل إن الحرب بين الدول في القرن الحالي ستكون علي المياه ومصادر المياه.
وعندما ارتفعت أسعار الغذاء والحبوب في الشهور الماضية إلي أرقام غير مسبوقة. قيل إن الحرب ستكون علي.. الغذاء.
الآن.. فرضت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية حرباً جديدة علي كل دول العالم.. علي الاستثمارات.. وجذب الاستثمارات.
كل دولة الآن. خاصة الدول الأكثر تأثراً بهذه الأزمة. وفي مقدمتها أمريكا وأوروبا وبعض دول آسيا. تقاتل الآن من أجل جذب أكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية إلي بلادها. لتعويض بعض خسائرها في الأزمة. ولاعطاء دفعة لاقتصادها الوطني تمكنه من النهوض والحركة من جديد.
وفي سبيل ذلك. سوف تفعل كل دولة المستحيل. من أجل ان تهييء مناخاً جاذباً لهذه الاستثمارات. وسوف نقول لمستثمري العالم: أنا لا أكذب.. ولكني أتجمل.
ومصر بالطبع تقف نفس الموقف.. وتخوض نفس الحرب.
وفي هذا المجال. مهما قلنا عن أنفسنا. وأطلقنا من حملات الدعاية لبلدنا وجاذبيته للاستثمارات الأجنبية. فإن كل ما نقوله. مهما كان حجمه أو صدقه. لا يساوي شهادة مؤسسة دولية واحدة متخصصة. من المؤسسات المعتمدة في مجال تقييم مناخ الاستثمار وتقدير نسبة مخاطره.
فهذه المؤسسات لا تجامل .. لأن أي بيانات غير دقيقة تصدرها. تؤثر علي مصداقيتها هي لدي العالم كله. دولا ومنظمات أعمال ومستثمرين أفراداً. لأنهم جميعاً يسترشدون بهذه البيانات. ويجعلونها عنصراً مهماً في توجيه قراراتهم الاستثمارية.
من هنا فلقد سعدت أيما سعادة. بتقييمين ايجابيين لمناخ الاستثمار في مصر. صدرا هذا الأسبوع عن اثنتين من أكبر مؤسسات التقييم العالمية هما "ميريل لينش" و"كريدي سويس".
المؤسسة الأولي. وضعت مصر في المركز الخامس بين أقل 10 دول في العالم من حيث مخاطر الاستثمار.
المؤسسة الثانية. وضعت مصر في المركز الأول كأقل الدول مخاطر في الاستثمار بين مجموعة دول أوروبا والشرق الأوسط وافريقيا.
هذه شهادة كبيرة لمصر. تصدر عن مؤسستين متخصصتين محل ثقة عالمية.
وهي ليست شهادة في مجال "الاستثمار" الضيق. بل هي شهادة اقتصادية سياسية اجتماعية. لأن "مخاطر الاستثمار" في العرف الدولي. لا تنصب علي معوقاته الاجرائية. لكنها تتعلق بمدي توافر الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأمني في الدولة.. أي مدي توافر المناخ "الآمن" و"الحاضن" للأموال الأجنبية وأصحابها. وبالتالي فهي شهادة للرئيس مبارك وللحزب الوطني والحكومة. ولكل من ساهم ويساهم في تعزيز هذا المناخ.
وهي شهادة تأتي في لحظة دقيقة من الأزمة الاقتصادية العالمية. التي تتقاتل الدول بسببها كما قلت علي جذب الاستثمارات الأجنبية وتحلم كل دولة بشهادة من هذا النوع تدعم صورتها الخارجية. وتغري المستثمرين بالتوجه مطمئنين اليها.
واذا كان هذا الخبر قد أسعدني كمواطن مصري. فقد أسعدني أيضا. علي المستوي المهني. ان تنفرد صحيفة "المال" اليومية ورئيس تحريرها المحلل الاقتصادي الشاب الموهوب والصحفي حتي النخاع "حازم شريف" بابرازه كمانشيت رئيسي لصفحتها الأولي في عددها الصادر بالأمس. لتؤكد أن بعض الصحف الخاصة تعرف كيف تخدم الوطن. وكيف تصب أخبارها في مصلحته القومية. دون ان تفقد استقلالها وحقها في الاختلاف في أي وقت.
صورة تذكارية.. مع طائرة خاصة
صعدنا إلي إحدي الطائرات الخاصة الرابضة في مطار شرم الشيخ الدولي. ضمن معرض "أفيكس" العالمي للطيران الذي استضافته مصر الأسبوع الماضي بمدينة شرم الشيخ برعاية شركة مصر للطيران ووزارة الطيران المدني.
كنا مجموعة من رؤساء المؤسسات الصحفية القومية ورؤساء تحرير صحفها.. وكان الهدف أن نتفقد الطائرة. ضمن ما هو معروض من الطائرات الخاصة.
سألنا عن سعر الطائرة فقيل لنا:
39 مليون دولار.
قلنا بسيطة..!
الطائرة بها مقاعد تتسع لعشرة أفراد. وموزعة بطريقة الصالونات..
سأل أحدنا: أين غرفة النوم؟!
قيل له: للأسف لا توجد..!
قال ضاحكاً. وكلنا معه:
- خلاص .. لن نشتري..
سأل زميل آخر: ما هي المسافة التي يمكن أن تقطعها الطائرة طيرانا متصلا؟!
قيل له: يمكنها أن تطير من شرم الشيخ إلي لوس أنجلوس في أمريكا دون توقف سوي مرة واحدة للتزود بالوقود.
علق قائلاً: أريد واحدة تقطع كل المسافة بلا توقف.
وضحكنا مرة أخري. واكتفينا بالتقاط الصور التذكارية لنا داخل الطائرة أو بجوارها.
لكن المعرض. الذي افتتحه الرئيس مبارك. كان رائع التنظيم. جاذبا لأكثر من أربعين شركة عالمية في مجال الطيران المدني.
وكان الفريق أحمد شفيق وزير الطيران المدني. كالعادة يتفقد مع رجاله كل صغيرة وكبيرة ليطمئن علي حسن التنظيم. ودقة الترتيبات لراحة العارضين والضيوف. حتي خرج المعرض في أروع صورة وانتهي بنجاح كبير.
وكالعادة أيضاً. كان اللواء هاني متولي محافظ جنوب سيناء. بشخصيته الهادئة والودودة. هو كلمة السر في كل نجاح يتحقق علي أرض محافظته.
من أجندة الأسبوع
** "الرجل الأسود.. في البيت الأبيض".. أحلي تشبيه قرأته عن فوز أوباما برئاسة أمريكا.. التشبيه كان أحد عناوين الصفحة الأولي لجريدة "القاهرة" التي يرأس تحريرها زميلنا القدير صلاح عيسي.
** وافق البرلمان الجزائري أول أمس علي تعديل الدستور ليعطي للرئيس بوتفليقة الحق في ترشيح نفسه للرئاسة لفترة ثالثة.
** بوتين فعلها في روسيا.. دون حاجة إلي تعديل الدستور.. فقد اختار بنفسه خليفته ميدفيديف.
** فقد ربع مليون أمريكي وظائفهم في شهر واحد هو أكتوبر الماضي. ومثلهم أيضا في سبتمبر الذي قبله. حتي وصل عدد العاطلين لأول مرة الي عشرة ملايين..
الأزمة المالية والاقتصادية في أمريكا أكبر وأعمق كثيرا مما يصلنا عنها.. وهذا علي لسان الأمريكيين أنفسهم. أو المقيمين هناك من المصريين.